كمال الدين دميري

345

حياة الحيوان الكبرى

إن أعوج فحل كريم كان لبني هلال بن عامر ، وإنه قيل لصاحبه : ما رأيت من شدة عدوه ؟ فقال : ضللت في بادية وأنا راكبه ، فرأيت سرب قطا يقصد الماء ، فتبعته وأنا أغض من لجامه ، حتى توافينا الماء دفعة واحدة أه . قلت : وهذا أغرب شيء يكون ، فإن القطا شديد الطيران ، وإذا قصدت الماء اشتد طيرانها أكثر ، ثم ما كفاه حتى قال : وأنا أغض من لجامه ، ولولا ذلك لكان سبق القطا . وتوصف القطا بالهداية ، والعرب تضرب بها المثل في ذلك ، لأنها تبيض في القفر ، وتسقي أولادها من البعد في الليل والنهار ، فتجيء في الليلة المظلمة ، وفي حواصلها الماء ، فإذا صارت حيال أولادها ، صاحت : قطا قطا فلم تخط بلا علم ولا إشارة ولا شجرة ، فسبحان من هداها لذلك قال الشاعر : والناس أهدى في القبيح من القطا وأضلّ في الحسنى من الغربان وقال أبو زياد الكلابي : إن القطا تطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة ، وفوقها ودونها والجونية منها ، تخرج إلى الماء قبل الكدرية قال « 1 » عنترة : وأنت التي كلفتني دلج السرى وجون القطا بالجلهتين جثوم « 2 » وقال « 3 » الشاعر في وصفها : أما القطاة فإني سوف أنعتها نعتا يوافق معنى بعض ما فيها سكاء مخضوبة في ريشها طرف سود قوادمها صهب خوافيها « 4 » وقال مزاحم « 5 » العقيلي في القطاة وفرخها : فلما دعته بالقطاة أجابها بمثل الذي قالت له لم تبدل « 6 » وأنشد « 7 » ياقوت في معجم البلدان لأبي العباس الصيمري : كم مريض قد عاش من بعد يأس بعد موت الطبيب والعوّاد قد يصاد القطا فينجو سليما ويحل القضاء بالصياد ذكر أنه كان بين أبي الفضل المعروف بابن القطا الشاعر المشهور بالبغدادي ، وبين الحيص بيص التميمي الشاعر مناظرات ، منها أنهما حضرا على سماط الوزير ، فأخذ أبو الفضل قطاة مشوية

--> « 1 » ديوان عنترة : 214 . « 2 » دلج السّرى : السير ليلا . « 3 » الحيوان للجاحظ : 5 / 579 ، ونسبته إلى عمرو بن عقيل بن الحجاج الهجيمي . « 4 » سكّاء : صغيرة الأذن . القوادم والخوافي : الريشات في مقدم الجناح ومؤخره . « 5 » مزاحم العقيلي : مزاحم بن الحارث . شاعر غزل بدوي . مات سنة 120 ه . « 6 » البيت في الحيوان للجاحظ : 5 / 578 . « 7 » معجم الأدباء : 5 / 222 ، وفيه : أبو العنبس الصيمري ، وكان هجّاء مات سنة 275 ه .